فخر الدين الرازي
439
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة ، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب ، وأما في قوله : أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ فههنا يجب أن تكون متصلة لأنها كافة بخلاف الأولى . المسألة الرابعة : معنى نُمْلِي لَهُمْ فههنا يجب أن تكون متصلة لأنها كافة بخلاف الأولى . المسألة الرابعة : معنى « نملي » نطيل ونؤخر ، والإملاء الامهال والتأخير ، قال الواحدي رحمه اللّه : واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان ، يقال : ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ، قال الأصمعي : يقال : أملى عليه الزمان أي طال ، وأملى له أي طول له وأمهله ، قال أبو عبيدة : ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار . المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه : الأول : أن هذا الإملاء عبارة عن إطالة المدة ، وهي لا شك أنها من فعل اللّه تعالى ، والآية نص في بيان أن هذا الإملاء ليس بخير ، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . الثاني : أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الإملاء هو أن يزدادوا الإثم والبغي والعدوان ، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة اللّه ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين . الثالث : أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الإملاء ، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان ، والإتيان بخلاف مخبر اللّه تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الإملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم . قالت المعتزلة : أما الوجه الأول : فليس المراد من هذه الآية أن هذا الإملاء ليس بخير ، إنما المراد أن هذا الإملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد ، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة ، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء ، ولا يلزم من نفي كون هذا الإملاء أكثر خيرية من ذلك القتل ، أن لا يكون هذا الإملاء في نفسه خيرا . وأما الوجه الثاني : فقد قالوا : ليس المراد من الآية أن الغرض من الإملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وقوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] بل الآية تحتمل وجوها من التأويل : أحدها : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] وقوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [ الأعراف : 179 ] وقوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [ إبراهيم : 30 ] وهم ما فعلوا ذلك لطلب الإضلال ، بل لطلب الاهتداء ، ويقال : ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك ، وثانيها : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم وثالثها : أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان ، أشبه هذا حال من فعل الإملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز . ورابعها : وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله : لِيَزْدادُوا إِثْماً غير محمول على الغرض بإجماع الأمة ، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال اللّه بالأغراض ، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل اللّه معلل بغرض التعب والإيلام ، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الإحسان ، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض ، وعند هذا يسقط ما